السيد عباس علي الموسوي
371
شرح نهج البلاغة
الخط ولا يكون غيابه وعدم أوبته عاملا من عوامل إضعافك أو مبررا لكسلك وجمودك . . . ( ومن الفساد إضاعة الزاد . ومفسدة المعاد . ولكل أمر عاقبة ، سوف يأتيك ما قدر لك . التاجر مخاطر ورب يسير أنمى من كثير ) وفي هذا الفضل خمسة أمور : الأول : قوله عليه السلام : ومن الفساد إضاعة الزاد ومفسدة المعاد . الفساد يختلف ضعفا وشدة ، قلة وكثرة فالسرقة فساد والغش فساد ، والغيبة فساد ، وأكل المال الحرام فساد ، ولكن هذه أقل سوءا من قتل الأنفس وهتك الأعراض والمتاجرة بالأديان والأوطان . نعم كل منهما فساد وانحراف وضلال ولكن أحدهما أكبر من الآخر وأعظم جرما وأشد أهمية لما يتبعه من الآثار وما يتركه من الخلفيات المؤلمة والمصائب المرهقة . . . إن من كان بسفر وهو بأمس الحاجة إلى الزاد هل يضيع زاده ويتلفه هل من المنطق والمعقول أن يضيع ما هو أهم شيء بالنسبة إليه . . . قد يستغني المرء عن الكماليات وقد يسقط من حسابه بعض الأمور المهمة فيكتفي بالخيمة بدل البناء ويكتفي بالمنزل المتواضع بدل المنزل الضخم الفخم ، ويتنازل عن الثياب الفاخرة الثمينة ويستعيض عنها بثوب بسيط قليل الثمن . . . قد يتنازل عن بعض الكماليات الأخرى من أصناف الطعام وتعدد ألوانه ويكتفي بتناول الضروري منه ولكن هل يصل به الأمر إلى إضاعة ما هو ضروري ويتوقف عليه قوام الحياة الزاد ليس ضروريا وحسب وإنما هو فوق الضرورة . . . إنه لا يقوم الإنسان إلا به ولا يستطيع الحياة بدونه ، لا يستطيع أن يكافح في الحياة أو يدافع إلا بعد أن يوفر له زادا يشد من قوته ويقوي بدنه ويساعده على الاستمرار في الحياة ومشاكلها . . . وكما أن الحياة تتوقف على الزاد ولا يستطيع الإنسان أن يتحرك بدونه كذلك الآخرة . . . يوم المعاد . . . فإن هذه الدنيا مزرعة الآخرة وفي هذه يكون التزود للآخرة . . . والآخرة هي منتهى الغايات وإليها يرجع الجميع . . . فما هو زادها وما مئونتها هل مئونتها من مؤن الحياة أم أنها من نوع آخر . . . إن للآخرة زادا يتمثل بالإيمان والعمل الصالح . . . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ ، فزاد الآخرة أن يطفح هذا القلب بالإيمان باللهّ ورسوله ، الإيمان باللهّ الذي يجعل الإنسان منه رقيبا دائما على كل نواياه وأقواله وأفعاله ، الإيمان باللهّ الذي يربطه مع اللّه في كل الحركات والسكنات وفي جميع الأعمال والتصرفات . . . زاد الآخرة يتمثل بإطاعة اللّه فلا تعصي له أمرا وتتمثل بإعانة الإنسان